سيد محمد طنطاوي
182
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل ، فلا يأباه العقل ، إلا أن يعلم اللَّه تعالى فيه مفسدة فينهى عنه « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإبليس حين عصى أمره فقال : * ( قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ . . . ) * . ومذهب السلف في مثل هذا التعبير ، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف اللَّه تعالى بها ذاته ، فهي ثابتة له ، على الوجه الذي يليق بكماله ، مع تنزهه - سبحانه - عن مشابهته للحوادث . ومذهب الخلف : تأويل اليد بالقدرة أو النعمة . والتثنية في يدي ، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه . أي : قال اللَّه - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع : يا إبليس ما الذي منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي ؟ * ( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ) * . أي : أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب لهذا التكبر ، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق ؟ والاستفهام للتوبيخ والإنكار . * ( قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْه ) * أي : قال إبليس في الجواب على ربه - تعالى - : أنا خير من آدم . * ( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَه مِنْ طِينٍ ) * فهو - لعنه اللَّه - يرى أن النار أفضل من الطين ، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول . ولا شك أن هذا التعليل من إبليس في نهاية سوء الأدب ، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين ، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضي صحة المدعى ، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل ، إذ النار يطفئها الطين . . وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله : * ( فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) * . والفاء في قوله * ( فَاخْرُجْ ) * لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه . والضمير في « منها » يعود إلى السماء ، أو إلى الجنة ، لأنه كان فيهما . أي : قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر : ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى ، فأخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك ، فإنك رجيم ، أي : مطرود من رحمتي . وإن عليك لعنتي وغضبى إلى يوم القيامة ، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتي عليك .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 105 .